بـــــسم الله الرحمن الرحيـــــم

 
المركز العربي للدراسات

يقدم

 

هل ياسر عرفات جاسوس؟ (دراسة بحثية)

بقلم/ سهيل الغزاوي
كاتب فلسطيني مغترب
الإصدار الثاني المعدل 2011

مــــقــــدمــــة

يكثر الكلام حول شخصية "ياسر عرفات"، ومن هذا الكلام ما هو صحيح ومنه ما هو أكاذيب وشائعات مغرضة، وحتى نكون منصفين في تحليل وقائع التاريخ راعينا في الحديث عن شخصية "ياسر عرفات" أن نتناول الأحداث والوقائع التي قد حدثت فعلاً على الأرض وتأكدنا تماماً من أنها وقائع صحيحة وليست محض افتراءات أو أكاذيب، فالقاضي في المحكمة لا يمكنه أن يحكم إلا من خلال أدلة حسية تدين المتهم لا من خلال الشائعات أو الأهواء أو العواطف.
ومن منطلق حرصنا على إبراز الحقيقة ومن باب حق الأجيال المخدوعة في أن تعرف الحقيقة الكاملة كان هذا العمل لأن السكوت على الجريمة هو بحد ذاته جريمة سنحاسب عليها أمام الله.

الانطلاقة من الكويت:

إن المتأمل في مسيرة الثورة الفلسطينية منذ بداياتها الأولى عام 1958 وتأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في الكويت سيواجه العديد من المتناقضات الغامضة التي ليس لها تفسير منطقي سوى استدراج الشعب الفلسطيني ليساق نحو مصيره المجهول، هذا المصير هو الذي بتنا نلمس آثاره ونراه ونعايشه اليوم! فاليوم الشعب الفلسطيني بات يحصد نتائج عقود طويلة من الممارسات المثيرة للشك والريبة ومحط شبهات كثيرة تحت مسمى مبطن وملطف (أخطاء) ولكنها أخطاء ليست كأي أخطاء!

للكويت مكانة خاصة عند الشعب الفلسطيني (أو يفترض أن تكون كذلك) كيف لا ومنها انطلقت شرارة الثورة (المزعومة!) وكانت الحاضن لما يقرب من 400 ألف فلسطيني يقيمون على أرضها، وفي الواقع يعتبر موقف منظمة التحرير الفلسطينية من احتلال العراق للكويت عام 1990 خطأً فادحاً بكل المقاييس ومن كافة الزوايا، إذ تكمن خطورة هذا الموقف في انعكاساته الخطيرة على "القضية وعلى "الثورة الفلسطينية" والتي يجهلها الكثير من الناس، فإذا نظرنا للموقف من زاوية مبدئية فإن ما حدث من قبل هذه المنظمة اتجاه الكويت كان يمكن أن يحدث اتجاه أي دولة في حكم الكويت التي قدمت الكثير من الدعم والمساندة للفلسطينيين مما لا يجوز إنكاره وإلا ستكون فتنة في الأرض وفساداً كبيراً وعواقب لا يمكن التكهن بها - وهو ما تحقق فعلاً – فلم يكن أحد يتكهن بما ستؤول إليه هذه الثورة من الاعتراف العلني بإسرائيل وتحولها بمقدار 180 درجة من مشروع "ثورة" إلى مشروع حماية الكيان الصهيوني! ويستدل من موقف المنظمة هذا على عدم وجود أي مبدأ أو قاعدة شرعية يستند عليها ذلك الموقف الذي يناقض كافة الأعراف والشرائع والقيم والمبادىء الإنسانية.
وإذا نظرنا للموقف من زاوية شرعية سنجد أن شرعية وجود الكويت كدولة مستقلة مرتبط ارتباط وثيق بشرعية وجود فلسطين كدولة مستقلة، فمن سخريات العرب أن الأجنبي الذي صنع الكويت هو نفس الأجنبي الذي صنع فلسطين وذلك في زمن التوسع الاستعماري الكبير الذي اجتاح العالمين العربي والإسلامي وأبرز مثال عليه الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس! فمن الواضح أن هناك تناقض في الموقف الفلسطيني اتجاه احتلال العراق للكويت بدعوى أن الكويت هي جزءاً تاريخياً من أراضي العراق وأن الكويت لم تكن يوماً ما دولة مستقلة، هذا صحيح ولكن، هذا الأمر ينطبق أيضاً على فلسطين! ففلسطين كانت وستظل جزءاً تاريخياً من بلاد الشام وستظل جزءاً تاريخياً من هذه الأمة، وفلسطين لم تكن يوماً ما دولة مستقلة!! وهل هناك دولة عربية واحدة كانت في يوم ما دولة مستقلة؟؟!
وإذا نظرنا للموقف من زاوية سياسية سنجد أن تأييد احتلال العراق للكويت ينطوي على رضا وقبول واعتراف ضمني بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين مما دفع العدو الصهيوني لاستغلال هذه النقطة لصالحه في المفاوضات السرية وفسر ذلك بأنه طالما أن ياسر عرفات يقر صدام حسين في احتلاله للكويت معنى ذلك أن ياسر عرفات لا يعارض احتلال "إسرائيل" لفلسطين وإلا كيف يرضى بالاحتلال لغيره ولا يرضاه لنفسه؟؟؟ فأي تناقض هذا في الموقف الفلسطيني؟! ينكرون على الكويت حقها في أن تكون دولة مستقلة بينما هم يناضلون من أجل دولة فلسطينية مستقلة! يرفضون الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين بينما يؤيدون الاحتلال العراقي للكويت؟؟ ينادون بـ "القرار الوطني المستقل" بينما ينكرونه على غيرهم!! (من هذا المدخل دخلوا معه في مفاوضات سرية) وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على فقدان البوصلة لدى القيادة الفلسطينية فكيف يمكن لثورة فاقدة بوصلتها أن يكتب لها النجاح؟؟! إن في مساندة صدام حسين في تصرفاته العدوانية هو بمثابة تشجيع لهذا العدوان وإقرار بهذه التصرفات العدوانية لا يفترض أن تصدر من شخص يقول للعالم أنه يناضل من أجل قضية مشروعة وأنه يعاني هو وشعبه من نفس هذا السلوك العدواني، وهكذا تحول الرفض الفلسطيني للاحتلال الصهيوني إلى رضا وقبول واعترافاً به! وبذلك يكون ياسر عرفات قد أجهز تماماً على "القضية الفلسطينية" أو بمعنى آخر تصفية القضية ليضع نفسه في موضع الابتزاز الشديد الذي ترتب عليه الاعتراف العلني بدولة العدو وتخلي المنظمة عن أهدافها في تحرير كامل التراب "الفلسطيني" والذي هو الأساس الذي قامت عليه "الثورة الفلسطينية" برمتها والذي من أجله أيضاً أريقت الدماء بغزارة، مما أدى إلى توقيع معاهدة استسلام تحت مسمى مبطن (سلام)! مما أفقدها الكثير من مقومات السلام وجعلها أقرب إلى الابتزاز وفرض إرادة القوي على الضعيف بالقوة وملغياً أكثر من تسعين عاماً من نضال ومعاناة شعب بأسره لتتوالى المشاريع السلمية فيما بعد وكأنها محاولة من ياسر عرفات للتغطية على الخطأ الفادح الذي ارتكبه بحق شعبه وقضيته أو علاج الخطأ بالخطأ!!!


قال تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} الأحزاب:23

ياسر عرفات يناقض تماماً ما جاء في الآية الكريمة!
إن حقيقة ما حدث مع عرفات من منظور عسكري هو أنه قد استسلم رافعاً راية العدو ولكنه آثر في المفاوضات السرية أن يمارس التضليل والخداع على شعبه بالتواطؤ مع العدو الصهيوني ليظهر بمظهر البطل تارة (بطل السلام) وبمظهر الشجاع تارة أخرى (سلام الشجعان) وما إلى ذلك من الدجل السياسي! بعبارة أخرى عرفات باع فلسطين وباع الشعب الفلسطيني وأصبح شريك في المؤامرة ولعب دور البطولة في مسرحية السلام المزعوم.

أزمة الرواتب هل هي مفتعلة::

تعد أزمة الرواتب من أهم النتائج المترتبة على الاعتراف بإسرائيل لأنها وببساطة شديدة جعلت الشعب الفلسطيني بأكمله (مرهوناً) للاحتلال وجعلته يتعرض - في مطلع كل شهر - للابتزاز الوقح وللمساومة على أخلاقه وقيمه وانتمائه ووطنيته ودينه حتى وصل الحال بالمجتمع الفلسطيني إلى قاع الحضيض منقسماً على أعقابه ما بين مقاوم وعميل!!
صحيح أن الكل يخطىء ولكن أخطاء ياسر عرفات هل هي أخطاء بعقل (معقولة) أم أنها أخطاء مقصودة؟؟؟؟
فقد حذرنا مراراً وتكراراً من الوصول إلى هذه المرحلة منذ عام 1993 عندما قلنا أن ارتباط الفلسطينيين (مالياً) بإسرائيل هو الكارثة التي ليس بعدها كارثة وهي القشة التي ستقصم ظهر البعير!
فقبل ما يسمى بعملية السلام كانت منظمة التحرير مستقلة بمواردها المالية وكانت الدول العربية والإسلامية والصديقة تدعمها وكانوا يخصمون من رواتب الفلسطينيين في كل مكان من العالم لصالح صندوق المنظمة (خصم إجباري 5% تحت بند المجهود الحربي) فقد كانت القضية الفلسطينية قضية (مقدسة) عند كل العرب والمسلمين وكان الجميع يتبرك بأي شيء فلسطيني وهو ما انعكس على مواقف حكام الخليج في حرب أكتوبر 1973 عندما كان الدم العربي أغلى فعلاً من البترول العربي.
لهذا السبب بتنا نجزم أن ياسر عرفات الذي عمل على ضرب مصالح الفلسطينيين في الخليج عموماً وفي الكويت على وجه الخصوص بسبب دعمهم السخي للثورة الفلسطينية وفي نفس الوقت عمل على ربطنا وتقييدنا مالياً (بأعدائنا) بتنا نجزم أن هذا كله ليس من قبيل الصدفة بل هو أمر مقصود وأمر مخطط له!!!

تدمير ممنهج للنسيج الإجتماعي:
فمنذ دخول أوسلو في حياة المجتمع الفلسطيني والشعب يتعرض لتدمير ممنهج لنسيجه الإجتماعي وأبرز مظاهر ذلك التدمير هي قضية قطع الرواتب، تلك الظاهرة الغريبة الدخيلة على ثقافتنا وتقاليدنا الإسلامية والعربية الأصيلة والتي بسببها وفي المناسبات الإجتماعية على سبيل المثال أدت تلك الظاهرة إلى مقاطعة الأخ لأخيه والجار لجاره، إنها وسيلة فعالة لمصادرة الضمائر والمبادىء وشراء الذمم وتجريد المجتمع من قيمه وأخلاقه فأصبح المرء على استعداد لأن يشهد زور أو يمتنع عن قول الحق في سبيل بقاء الراتب!! إن ابتزاز الناس بهذه الطريقة الرخيصة واستغلال قوت عيالهم لهو قمة النذالة لم يشهد لها المجتمع الفلسطيني مثيل، ذلك المجتمع المحافظ الذي عرف عنه النخوة والكرم والشهامة منذ آلاف السنين، وإذا لم نتدارك الموقف ولم نضع الخطط والأساليب الفعالة لمواجهة تلك الظاهرة فاعلموا أننا بذلك ننحدر نحو الهاوية التي ستسحقنا جميعاً.
إن قضية قطع الرواتب هي من القضايا الخطيرة وإن استمرار تلك الظاهرة وتفشيها سيؤدي حتماً إلى مجتمع من (العملاء) والجواسيس وسيكسر حاجز الضمير وحاجز مخافة الله عند الناس ولن يتردد أحدهم في السقوط في وحل التخابر مع العدو مقابل دراهم معدودة فهذه هي أهم نتائجها على المدى البعيد. إن هذه الحالة (تمييز الناس بحسب الانتماء والولاء السياسي) تشبه إلى حد كبير ظاهرة محاكم التفتيش في العصور الوسطى وما أدى ذلك إلى بعد الناس عن الكنيسة وعن عبادة الله والإنحلال الخلقي وذوبان القيم والأخلاق وهو ما يهدف إليه أعداء الأمة.


الابتزاز القذر!

كارثة الاعتراف:

يأتي الاعتراف بإسرائيل على رأس هرم أخطاء عرفات التي لا تعد ولا تحصى! فالكلمات تعجز عن وصف هذا الخطأ الفادح ونحن لم نجري هذه الدراسة إلا لكي تستبصر الأجيال القادمة وتتعلم من كنز الأخطاء الذي تركه لهم عرفات! فنحن نربي أولادنا على أن يختاروا الموت – وبدون تردد - على الاعتراف بإسرائيل لأن الاعتراف هو بمثابة طعنة غدر في ظهر الأمة جمعاء، في تاريخها وفي قيمها، في ماضيها وفي حاضرها، في منظومة أخلاقها وفي حضارتها لما ترتب عليه من نتائج قاتلة نسردها كما يلي:

  • أدت العملية السلمية إلى سقوط "القضية الفلسطينية" كقضية عربية وإسلامية مقدسة ونجحت المؤامرة في جعل "إسرائيل" تبدو مقبولة أكثر من الفلسطينيين في هذه المنطقة (شرعنة الاحتلال!!) وهو ما يفسر تهافت العرب على إقامة علاقات طبيعية مع هذا العدو أو ما سمي بـ (التطبيع).
  • وفي الجانب المقابل أدى هذا الموقف وما تبعه من مشاريع تسوية إلى عزلة الشعب الفلسطيني وانسلاخه عن جسد الأمة بحيث أصبح لا أحد يكترث بأمرهم رغم كل ما يتعرضون له من تنكيل وقتل واضطهاد على يد الآلة العسكرية الصهيونية حتى كلمات الشجب والاستنكار التي كنا نعتبرها كبيرة على العرب لم يعد لها أي وجود!
  • الاعتراف بإسرائيل أكد على النظرية التي طالما لاحقت الفلسطيني في كل مكان ووصمته بالعار حتى يومنا هذا هذه النظرية الشهيرة التي تقول بأن الفلسطيني قد باع أرضه ووطنه!، فالآن وبفضل عرفات أثبتنا للجميع وبالدليل القاطع بأن الفلسطيني فعلاً قد باع وطنه وأرضه!!!!
  • يمهد هذا الموقف ويرسخ للسياسة الاستعمارية القائمة أصلاً في المنطقة والتي من شأنها تجزئة الأمة وعزل هذه الأجزاء عن بعضها البعض تحت حجج وذرائع واهية مثل "القرار الوطني المستقل" بهدف الاستفراد بأرض فلسطين هذا بدلاً من محاربة هذه السياسة بكل السبل وتفويت أي فرصة في إمكانية عزل فلسطين والشعب الفلسطيني عن جسد الأمة.
    وبذلك يكون ياسر عرفات قد اختزل (الصراع الأممي) في شخصه! وسخر نفسه "مطية" يمتطيها العدو ويسوقها لتمرير ما يشاء من مخططات بل إن ياسر عرفات قد نجح في تمرير ما فشل العدو في تمريره!!! وهو جعل "إسرائيل" تبدو مقبولة في المنطقة وسلخ فلسطين وعزلها تماماً عن جسد الأمة وهو ما ترتب عليه أن أصبح الفلسطيني شخصاً (غير مرغوب فيه) في وسطه العربي والإسلامي! والأخوة المغتربين يلمسون ذلك بوضوح.
  • أعطى الاعتراف مبرراً قوياً للأنظمة العربية العميلة في موقفها المتخاذل اتجاه ما يحدث للشعب الفلسطيني وكأن لسان حالهم يقول "إذا كان مفجر الثورة الفلسطينية قد عقد معاهدة سلام واعترف بالعدو، إذاً لا توجد مشكلة فلماذا ننكر نحن هذا العدو؟؟!" و"هل نحن سنكون ملكيين أكثر من الملك!!" و"جاءت منك يا جامع!!" مما أعفاها تماماً من مسؤولية ما يحدث لفلسطين والأقصى والقدس ورفع عن هذه الحكومات أي حرج كانت تتسبب به القضية الفلسطينية ورفع عنهم العتب أمام شعوبهم وأضعف موقف الشارع "العربي" الضعيف والمقهور أصلاً وفي الجانب المقابل زاد في تقوية مواقف "إسرائيل"!
  • مجمل هذا الموقف الذي يتساوق تماماً مع السياسة الاستعمارية التي تهدف إلى الاستفراد بأرض فلسطين كما ذكرنا بأن ترتب على ذلك أمر خطير وخطير جداً وهو أن شعائر الحج أصبحت محصورة فقط في كل من مكة والمدينة بعد أن كان المسلمين – على مدار تاريخهم - قد اعتادوا على زيارة المسجد الأقصى بعيد كل رحلة حج، وبذلك سقط الحرم الثالث وسقط الحرم الإبراهيمي وسقطت جميع المقدسات سهواً من حسابات المسلمين! ولا نبالغ إذا قلنا أن شعائر الحج أصبحت منقوصة وأن الأجر أصبح منقوصاً بدون المسجد الأقصى فهل يعي المسلمون لهذه المسألة وهل كانت تعي القيادة الفلسطينية لمثل هذه المسائل الخطيرة؟؟ واضح أنهم لا يدركون بعد مكانة هذه الأرض الدينية والتاريخية! وإلا فكيف يجرؤون على الاعتراف بإسرائيل؟
  • مجمل هذا الموقف وهذه الحالة أصبحت مدعاة لسخرية واحتقار العدو قبل الصديق. فإذا كان "الفلسطينيين" قد انتخبوا ياسر عرفات في عام 1996 فإن ذلك ينطوي على إقرار صريح ومباشر بكل ما يصدر عن عرفات من أخطاء وعلى رأسها الاعتراف بالعدو! وهو ما أدى إلى استخفاف وسخرية واحتقار الصهاينة قبل العرب! لذلك من الطبيعي أن تصبح هذه الأمة أضحوكة بين الأمم ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى عدم مبالاة "العرب والمسلمين" لما يحدث للشعب الفلسطيني من موت وذبح ودمار وحصار لأنهم هم الذين اختاروا هذا الطريق بانتخابهم ياسر عرفات!

في الوقت الذي تخلص فيه الشعب المصري الأصيل من رئيسه قام الفلسطينيون بانتخاب عرفات رئيساً شرعياً لهم!

استغل الحكام العرب ومنهم ياسر عرفات نقطة ضعف الشعوب ولعبوا على وتر العواطف وإثارة المشاعر (الوطنية) النبيلة والجياشة وزرعوا فيهم صورة (الزعيم الإله) وعبادة الأفراد! ووظفوا الإعلام في هذا السبيل أفضل توظيف في ظل غياب التحكيم للعقل والمنطق!

لقد كان بإمكان ياسر عرفات وببساطة شديدة أن يتخذ موقفاً محايداً من احتلال العراق للكويت ويلتزم الصمت ويمتنع عن التعليق إزاء ما يجري، وعندما يعلم بأن الأمور ستصل إلى حد الاعتراف بحق "إسرائيل" في الوجود على الأرض الإسلامية المغموسة بدماء الشهداء منذ حوالي 1400 سنة وعندما يعلم بأن الأمور ستصل إلى حد توقيع معاهدة استسلام مع كيان سرق الأرض والتاريخ وانتهك الحرمات واعتدى وقتل وذبح ودمر كان بإمكانه وببساطة شديدة أن يعتزل العمل السياسي ويعيد ملف "القضية الفلسطينية" إلى "العرب" ممثلة بجامعة الدول العربية - بغض النظر عن مدى أهليتها لتحمل المسؤولية – ولكن لكي يلقي بالمسؤولية التاريخية والعار التاريخي عن عنقه وينأى هو بنفسه أمام الله وأمام التاريخ وأمام الأمة جمعاء ويرفع عن نفسه لعنة الأجيال القادمة إلى يوم الدين ويعود ليمارس حياته الطبيعية كشخص عادي، أو أن يعيد ملف "القضية الفلسطينية" إلى "المسلمين" ممثلة بمنظمة المؤتمر الإسلامي على سبيل المثال ونكاد نجزم بأنه لو فعل أي من هذه الأمور لما وصلت القضية إلى ما وصلت إليه اليوم ولبقي شيئاً منها مقدس عند عموم العرب والمسلمين! ولكنها المؤامرة تقتضي ذلك، إنها تقتضي أن تمسح فلسطين كأرض إسلامية مقدسة من عقول الناشئة والأجيال الصاعدة في إطار حرب العقيدة التي تتعرض لها الأمة.
وحتى لو استحضرنا النية السليمة لعرفات فهيهات أن يحدث مثل هذا السيناريو من قبل شخص مثل ياسر عرفات كل همّه الزعامة والسلطة مضحياً بأقدس قضية في التاريخ من أجل السلطة! لذلك يتضح من سياق الحديث أن القضية أصبحت قضية زعامات ومناصب وليست قضية "مصلحة وطنية عليا" مثلاً أو قضية شعب محتل وهذا ما نلمسه ونعايشه على أرض الواقع اليوم، وبعبارة أخرى – والكلام موجه للأجيال الناشئة - ولتقريب الصورة أكثر إلى الأذهان فإذا كان ياسر عرفات قد أقام سلام مع العدو واعترف بالعدو وإذا كان الشعب قد انتخب ياسر عرفات وقد انتخب أيضاً محمود عباس في عام 2005 في تكرار تاريخي لنفس الخطأ الجسيم (علماً بأن الأخير هو الذي وقع بيده على وثيقة الاعتراف بإسرائيل) إذن معنى ذلك أن الشعب مع السلام وأن السلام خيارهم الاستراتيجي وأنهم يعترفون بإسرائيل كشريك في السلام! فالسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: ما هو مبرر وجود "سلطة فلسطينية" إذن؟؟؟ لماذا لم يقبل الأهالي "الفلسطينيين" بالحكم الإسرائيلي المباشر (الإدارة المدنية الإسرائيلية) منذ عام 1967 عندها كان يمكن أن يعيش الجميع في سلام!!! خصوصاً وأن السيطرة لا تزال في يد إسرائيل وأن إسرائيل هي التي تحكم على الأرض وأنه لا يوجد للسلطة الفلسطينية أي مظاهر للسيادة أو أي مكاسب سياسية على الأرض وأن الوضع لم يتغير في شيء الفارق الوحيد هو أن إسرائيل أصبحت تحكم الفلسطينيين من خلال الفلسطينيين أنفسهم (حكم ذاتي) بعد أن كانت تحكمهم بطريقة مباشرة! وبذلك ألقت هي عن نفسها هذا العبء الثقيل عبء إدارة شؤون الشعب الفلسطيني في الداخل وفي نفس الوقت استطاعت أخيراً وضع حد للانتفاضة الشعبية المتأججة آنذاك بعد أن فشلت جميع محاولات إيقافها وفي نفس الوقت حازت على شرف الإعتراف التاريخي بها وبإجماع الشعب الفلسطيني بأكمله! بعد أن فشلت في انتزاعه من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني - رحمه الله - قبل ما يزيد عن تسعون عاماً رغم أنه غير فلسطيني بالمنظور القومي!


ياسر عرفات في استعراض عسكري في بيروت في 1-1-1978 بمناسبة انطلاق حركة فتح
هيهات أن يحدث مثل هذا السيناريو من قبل شخص مثل ياسر عرفات كل همّه الزعامة والسلطة! وإذا عرف الداء عرف الدواء!

من جهة أخرى من الذي يدفع دائماً ثمن أخطاء الزعماء؟؟ أليست الشعوب؟ فبسبب هذا القرار الفردي الذي لم يشارك الشعب في اتخاذه رغم ما قدمه من شهداء وتضحيات جسام على مدى عقود! (فعلى الأجيال القادمة أن تتعلم من هذه الأخطاء حتى لا تتكرر المأساة).
وهكذا يتضح من سياق الحديث أن ياسر عرفات كان ولا يزال يتعامل مع شعبه من منطلق أنه راعي غنم! وهل حدث مرة أن أخذ الراعي رأي غنمه؟؟!! لذلك لم يرجع إلى الشعب في أي قضية (مصيرية) تتعلق بهذا الشعب!! وإنما المطلوب من الشعب هو فقط الهتاف بحياة الرئيس والرقص للرئيس وتحمل تبعات أخطاء الرئيس! فالزعيم الناجح سيقوم وببساطة شديدة بإجراء استفتاء شعبي عام أو حتى اجتماع يشارك فيه ممثلين عن جميع فئات المجتمع لإشراكهم في صياغة أي قرار حساس ومصيري ويستمع لرأي الشعب الذي يدعي دائماً بأنه هو الممثل الشرعي والوحيد له!! خصوصاً إذا كان الأمر يمس بصورة مباشرة مستقبل شعب بأكمله ويمس القضية بل والأمة بأسرها، لأن أرض فلسطين ليست مقتصرة على الشعب الفلسطيني لوحده بل هي ملك للأمة الإسلامية وليست (عزبة) يورثها لمن يشاء أو يمنحها كهبة لمن يشاء ومرة أخرى لنا في الموقف التاريخي المعروف للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني – رحمه الله – عبرة وعظة ودرساً لكل قيادات الشعب الفلسطيني ولكل قادة الشعوب العربية والإسلامية حتى قيام الساعة.


قتلونا مرتين!
الاعتراف طعنة غدر لدماء الشهداء لا تصدر عن إنسان حر ونزيه وأصيل ويحترم تاريخ وطنه وشعبه وأمته!
هناك مقولة تقول:"الأخ الأصغر أوفر حظاً من الكبير" لأن الصغير يتعلم دائماً من أخطاء ومن تجارب الكبير الذي سبقه فبالرغم من تجربة السلام المريرة التي وقعها السادات ودخول مصر في نفق مظلم لا يزال شعبنا المصري يعاني من تبعاته حتى يومنا هذا إلا أن عرفات قام بتكرار نفس التجربة في تكرار مريب لنفس الجريمة! فما هي حسابات الربح والخسارة لكامب ديفيد حتى يعجب بها عرفات والتي دفعته ليخوض نفس التجربة؟؟!

بوستر يعود إلى عام 1978 صادر عن إحدى التنظيمات الفلسطينية آنذاك يعبر عن خروج أجساد الشهداء من قبورها بسبب هول صنيعهم

ضحايا أم شهداء:

إن الرجل الذي واجه تجربة مريرة في الأردن أو ما يعرف بأحداث أيلول الأسود يفترض أن تكسبه هذه التجربة (القاسية) آفاقاً جديدة وإدراكاً أوسع ودرساً مفاده بأن يحرص أكثر على مستقبل الثورة الناشئة وأن يجنب رجاله الخوض في أي صراعات جانبية والتركيز فقط على الصراع الأساسي مع العدو وأن يعمل على إرساء دعائم الثورة الوليدة (فهذا ما تمليه الحكمة والمنطق ولكن وللأسف فإن النقيض تماماً هو الذي كان دائماً يحدث!) فقد خرج من الأردن ليعيد استنساخ نفس الخطأ في لبنان! لاهثاً وراء سراب الزعامة والنفوذ والسلطة! وبذلك خسرت الثورة الفلسطينية خط مواجهة مع العدو يمتد لأكثر من 350 كيلو متر! وفي لبنان يواجه عرفات مجتمعاً على أبواب حرب أهلية ضارية. فبدلاً من أن يجنب نفسه ورجاله من الوقوع في مثل هذه الصراعات وينقذ الثورة (المزعومة) من المستنقع اللبناني ويركز قواه على الصراع الأساسي الذي جاءت الثورة برمتها من أجله ألا وهو "تحرير فلسطين" نجده مرة أخرى يعيد تكرار الأخطاء الجسيمة التي ارتكبت في الأردن وينجر بسهولة مثيرة للريبة إلى دوامة الصراعات الجانبية التي لا نهاية لها وذلك على الرغم من الدرس الذي راح ضحيته آلاف المقاتلين في الأردن! فهل هذه أخطاء من قبيل الصدفة أم أنها أخطاء مقصودة؟


لقد خسرت الثورة خط مواجهة يمتد لأكثر من 350 كيلو متر وفي زمن قياسي! هذا طبعاً مع استحضار النية السليمة لعرفات!
إن اندلاع حرب حزيران 1967 أو ما أطلق عليها شعبياً "النكسة" تستدعي بعض التأمل والتمعن والدراسة، فقد أكدت هذه الحرب على عدم وجود أي نوع من التواجد الفلسطيني المسلح أو قواعد للفدائيين في الضفة الغربية سواء قواعد سرية أو علنية وذلك بالرغم من أن الفرصة كانت مواتية لبناء قواعد في الضفة الغربية قبل احتلالها من قبل العدو الصهيوني الغاشم مع خطوط التماس مع الأراضي المحتلة وفي مواجهة العدو (وهو الأولى) بدلاً من بنائها في الضفة الشرقية! ولهذا السبب قاتل الجيش الأردني لوحده وخاض الجنود الأردنيون قتالاً عنيفاً طوال أيام الحرب الستة وسقط منهم مئات الشهداء وآلاف الجرحى بينما لم يصب فدائي فلسطيني واحد هناك! (باستثناء الأهالي العزل) وقد كانت الخسائر الإسرائيلية على الجبهة الأردنية في الضفة الغربية لوحدها أكبر من جميع الجبهات الأخرى مجتمعة! وبذلك أصبح الجيش الأردني مستهدفاً من قبل العدو خصوصاً بعد معركة الكرامة مستغلاً حالة التواجد الفلسطيني المسلح لينوب عنه بهذا الدور من خلال الوقيعة وإشعال نار الفتنة والتي انجر إليها الفلسطينيون بسهولة دون تقدير منهم لمواقف الجيش الأردني المشرفة في حرب حزيران 1967 والكرامة 1968 فكانت النتيجة أيلول الأسود التي راح ضحيتها آلاف المقاتلين الفلسطينيين دون أن تتعلم القيادة الفلسطينية من تجربة ضياع الضفة الغربية خلال النكسة وتعمل على المحافظة على ما تبقى من خط الجبهة، فلو أنهم قتلوا على يد الآلة العسكرية الصهيونية بدلاً من المغامرة بأرواح الشباب في صراعات جانبية وفتن غير محسوبة العواقب لقبلنا بالوضع ولقلنا عنهم (شهداء) مكرمون عند الله! ولكن النقيض دائماً هو الذي يحدث! وبذلك خسرت الثورة الفلسطينية الضفتين الضفة الغربية في حرب حزيران 1967 والضفة الشرقية في أيلول الأسود 1970! وبذلك أغلقت أهم وأوسع بوابة لعبور المقاتلين (العرب والمسلمين) إلى فلسطين وبأيدي فلسطينية! فهل هذا الأمر من قبيل الصدفة أم أنه أمر مقصود ومدروس ومخطط له؟!
الصفحة الثانية